الجمعة، 21 يونيو، 2013

أروقة الموت

أروقة الموت 

Mother

شهران من التجوال دهابا وأيابا بتلك ألاروقة , قلق وخوف وحيرة تنتابني بذلك المكان , هي أروقة بين أمي الممدده على سرير المستشفى بالعناية الحثيثة وبين أسوار المستشفى البعيدة , قصة بدأت بهاتف مشئوم يخبرني أن أمي نقلت الى الطوارئ وهي بحالة خطرة , أذكر انني خرجت مسرعا وأطرافي ترتجف من الخوف والهلع , ومع ذلك أقنعت نفسي انه أمر بسيط وسوف تكون بخير , 
لكن للأسف
وصلت الى المستشفى لأجدها بحالة خطرة , ومع ذلك لم اقتنع بذلك , وبعد يوم تقرر أجراء عملية تشخيصية لها بالدماغ وللأسف كنت وحدي ذلك الوقت , طلب الطبيب الجراح مني ان أوافق على إجراء عملية وقائيه لها مع توضيحه انها من المحتمل ان لن تنجو حتى لو نجحت العملية , يا الهي كم هو قرار صعب , لكني وافقت , المفاجئه بعد ذلك انه طلب مني ان ادفع 5 الاف دينار اردني ,
كانت الساعة الثاني عشر ليلا , كيف من الممكن ان يأتي المرء بهذا المبلغ بمثل هذا الوقت , أجلت العملية , وذهبت الى البيت مرهقا جسديا ونفسيا بسبب ذلك .
اليوم التالي تم نقلها الى مستشفى عام ومغطى التكاليف , على أمل أن تجرى لها العملية , وبالفعل اجريت لها العملية وتكللت بالنجاح رغم طول وقتها , وذلك بسبب التأخير الذي حدث , كنت سعيدا جدا , لكني لم اعرف انها البداية للمسير بأروقة الموت , أي أروقة المستشفى الطويلة المظلمة والكئيبة . 
اليوم الاول بعد العملية , انتظر بسعادة ان تصحو , ولكن ذهبت السعادة عندما رأيت الدم ينزف من أنف أمي رغم ان الممرضه المتدربة امامها ولا تفعل شيئا , نبهتها وعلى الفور باشرت باعطائها حقنة أدرينالين , وحيث انني أعلم أن الأدرينالين يمنع اعطائه لمن لديهم ضغط الدم عالي وأنه سيسبب الموت المباشر لها , قمت بمسك يدها واخبارها بذلك , تراجعت وطلبت المساعدة من زميل لها ذو خبرة , وبالفعل كانت مخطئه , وقام الممرض بايقاف نزيفها بأعطائها حقنه اخرى , وهنا أحسست بالقهر والخوف المميت , أن أمي بخطر كبير ليس من المرض بل من الطاقم الغير متمرس والمهمل , رغم ان القسم مكتظ بالمرضى , والضغط الكبير على الطاقم , إلا أنني لم أجده عذرا لهم .
توالت الايام بعدها وأنا أناضل بهدوء مع الممرضين ومع حالتها الحرجة , أجهزة تتوقف عن العمل بسبب عدم الانتباه الى انها ليست مشحونة بالطاقه , وتركها لفترة طويلة إلى ان أنبههم  بذلك , أو مواد تعطى من خلال تلك الاجهزة وهي ضرورية لانقاذ حياتها وشفائها تنفذ وتنتهي ولا يتم الأنتباه الى ذلك , وكثيرا ما تكون أجهزة المراقبه غير متصلة بها ومع ذلك يقومون بأخد القرائات لها , وطبعا أنا من يوصل الأجهزة بها دائما .
بعد اسبوع واكثر من ذلك ولم تستيقذ أمي , لماذا !!!! الطاقم متشائمون والأطباء أيضا , يقولون ان حالتها ميؤوس منها , لكني كالعادة 
لا أقتنع , ولن أقتنع أبدا , انها أمي ولن يأخدها مني أحد , وبعد شهر بدأت تفتح عيونها , وتحرك أقدامها , كم كانت سعادتي كبيرة .
وخلال هذه الفترة اصبح لي بيت جديد , أروقة المستشفى وصالاته وساحاته , اقف لساعات بالقسم أو الاروقه او اتمشى هنا وهناك 
, أنام على المقاعد الخشبية المؤلمة او بسيارتي التي تقف تحت الشمس الحارقه , أتناول طعام المقصف التعيس , أدخن بزوايا خفية .
وكونت علاقات وصداقات قصيرة ومؤلمه مع أهالي المرضى بالقسم , وذلك بسبب موت مرضاهم السريع , وعلاقة غريبة مع المرضى الذين ماتوا امامي , وشهدت عملية تجهيزهم لأخدهم إلى قسم الثلاجات , عددهم كان كبيرا جدا ! والغريب انني لم اتوقع ابدا ان تكون امي الحبيبه احدهم .
وحيث ان العناية بالنظافه الجسدية للمرضى كانت سيئة فقد كنت يوميا اقوم باللازم واكثر للمحافظة على نظافة جسدها بشكل كامل ومتكرر , وكان الجميع ينظر لي بدهشة لاهتمامي الكبير بذلك , ولاصراري المستميت ودفع الجميع من الممرضين والاطباء من اجل عمل ما يمكن عمله لكي تستعيد امي عافيتها .
اليوم القبل الاخير , حيث طلب احد الاطباء الحديث مع احد من اهل المريضه ( أمي ) فذهبت له وتحدثنا , اخبرني ان حالتها بدئت تسوء وانها بداية النهاية , طبعا لم اقتنع وناقشته بذلك واوضحت له ان حالتها مستقرة وسوف تنجو , لكن الواقع كان مختلفا , فقد بدء انخفاض  ضغط الدم المتكرر والمقلق , قام الممرض برفعه عن طريق السوائل الخاصه , تحسنت وأحسست بالأطمئنان , وانتهت الزيارة فذهبت للبيت .
اليوم الثاني إستيقذت متاخرا  , كنت مطمئنا أيضا , تأخرت عن المستشفى رغم انني لم أكن مشغولا , وفجأة جاء أسوء وأبغض  إتصال هاتفي لي , كان خالي على الهاتف يطلب مني ان أحضر بسرعه لان قلب امي توقف وان الطاقم يقوم بانعاش قلبها , خرجت بسرعة وقدت سيارتي وأنا أرتجف والعن نفسي لأني لم أكن موجودا بجانبها في تلك اللحظات , وعندما وصلت رايت ما خفت رؤيته طيلة الفنرة السابقه , كانت قد فارقت الحياة , قلبها متوقف والمؤشرات الحيوية الاخرى الظاهرة على اجهزة المراقبة والتي راقبتها  دائما بهوس شديد متوقفه ايضا , ماتت امي الحبيبه , ماتت .
أكتب مقالتي هذه بعد مرور أكثر من ثلاثة اسابيع , وما زلت غير مقتنع او مصدق بأنها توفيت ولم تعد موجودة في حياتي , أشعر أنني  
فقدت الصلة او الرابط بيني وبين الحياة كلها , لدي كره شديد لكل شئ حولي , للبيت والطرق وكل الاماكن التي اعتدت الذهاب اليها , أشعر بالمرض والضيق , ولدي انخفاض دائم لضغط الدم لدي (كأنني اقلد حالتها الصحية بآخر أيامها ) , لكن المكان الوحيد الذي أشعر بتحسن به وبراحة البال هو بجانب قبر أمي .
على ما يبدو انها جولة اخرى بأروقة الموت , بأنتظار لرؤية أمي , وأرتمي بحضنها الدافئ وأقبل يداها الطاهرتان , ولكنها جولة طويلة هذه المرة  , وأروقة اطول وأقسى  .
رحمك الله يا مي العظيمة الحنونه الحبيبه , لن أنساكي أبدا .

اعداد سنان اسحق المراغي 

هناك تعليقان (2):

  1. الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته الام لا تعوض ربنا يصبرك

    ردحذف
    الردود
    1. امين , وشكر الله سعيك .

      حذف